فخر الدين الرازي

101

تفسير الرازي

جاز ذلك فليجز أن يكون بحضرتنا شموس وأقمار ولا نراها ، وأن يحصل الإدراك في عين الضرير حتى يكون هو بالمشرق ويرى بقعة في الأندلس ، وكل ذلك محال . واعلم أن ذلك جائز على مذهبنا إلا أن العادة جارية بأنها لا تقع . المسألة الثالثة : ذكروا في السجيل وجوهاً أحدها : أن السجيل كأنه علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار ، كما أن سجيناً علم لديوان أعمالهم ، كأنه قيل : بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون ، واشتقاقه من الإسجال ، وهو الإرسال ، ومنه السجل الدلو المملوء ماء ، وإنما سمي ذلك الكتاب بهذا الاسم لأنه كتب فيه العذاب ، والعذاب موصوف بالإرسال لقوله تعالى : * ( وأرسل عليهم طيراً أبابيل ) * وقوله : * ( فأرسلنا عليهم الطوفان ) * فقوله : * ( من سجيل ) * أي مما كتبه الله في ذلك الكتاب وثانيها : قال ابن عباس : سجيل معناه سنك وكل ، يعني بعضه حجر وبعضه طين وثالثها : قال أبو عبيدة : السجيل الشديد ورابعها : السجيل اسم لسماء الدنيا وخامسها : السجيل حجارة من جهنم ، فإن سجيل اسم من أسماء جهنم فأبدلت النون باللام . * ( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ ) * . أما قوله تعالى : * ( فجعلهم كعصف مأكول ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في تفسير العصف وجوهاً ذكرناها في قوله : * ( والحب ذو العصف ) * وذكروا ههنا وجوهاً : أحدها : أنه ورق الزرع الذي يبقى في الأرض بعد الحصاد وتعصفه الرياح فتأكله المواشي وثانيها : قال أبو مسلم : العصف التبن لقوله : * ( ذو العصف والريحان ) * لأنه تعصف به الريح عند الذر فتفرقه عن الحب ، وهو إذا كان مأكولاً فقد بطل ولا رجعة له ولا منعة فيه وثالثها : قال الفراء : هو أطراف الزرع قبل أن يدرك السنبل ورابعها : هو الحب الذي أكل لبه وبقي قشره . المسألة الثانية : ذكروا في تفسير المأكول وجوهاً أحدها : أنه الذي أكل ، وعلى هذا الوجه ففيه احتمالان : أحدهما : أن يكون المعنى كزرع وتبن قد أكلته الدواب ، ثم ألقته روثاً ، ثم يجف وتتفرق أجزاؤه ، شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث ، إلا أن العبارة عنه جاءت على ما عليه آداب القرآن ، كقوله : * ( كانا يأكلان الطعام ) * وهو قول مقاتل ، وقتادة وعطاء عن ابن عباس . والاحتمال الثاني : على هذا الوجه أن يكون التشبيه واقعاً بورق الزرع إذا وقع فيه الأكال ، وهو أن يأكله الدود الوجه الثاني : في تفسير قوله : * ( مأكول ) * هو أنه جعلهم كزرع قد أكل حبه وبقي تبنه ، وعلى هذا التقدير يكون المعنى : كعصف مأكول الحب كما يقال : فلان حسن أي حسن الوجه ، فأجرى مأكول على العصف من أجل أنه أكل حبه لأن هذا المعنى معلوم وهذا